أبي طالب المكي

113

علم القلوب

باب وصف العارفين الذين وصفهم المعروف بالصفاء واليقين قال بعض الحكماء : المعرفة أعلى مقامات الموقنين ، وأكمل أحوال الصادقين ، وأشرف رتب المقربين ، وأهل المعرفة هم الذين عززهم الرسول صلى اللّه عليه وسلم ، وقللهم في جملة كثرة الجمهور ، فقال : « هم أعز في أمتي من الكبريت الأحمر » . وسمى المعرفة أصل العلم ورأس العلم في الخبر المروى عنه ، قال أنس بن مالك : جاء رجل إلى النبي صلى اللّه عليه وسلم ، فقال : علمني غرائب العلم ، قال : « وما صنعت في أصل العلم ورأس العلم ، حتى تعرف غرائبه ؟ » ، قال : وما أصل العلم ورأس العلم ؟ قال : « هل عرفت الرب ؟ فالمعرفة باللّه هي « 1 » أوجب الأشياء على الخلق ، وأفرض الأشياء عليهم للحق » . فانظر إلى حال السائل ، جاء يطلب ما لا يحتاج إليه وهو لا يدرى ، وترك طلب ما يحتاج إليه وبه يهتدى ، ورسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ناصح الخلق ، ودليل الأمة ، دفعه عما هو به غير مطالب ، ودله على ما هو به مطالب ، وهذا دليل واضح في أدب السؤال للعلم ومعرفة المسؤول ، وذاك أن كثيرا من السائلين في سؤالهم يغلطون ، وهم في ذلك يظنون أنهم بالحق ينطقون ، فعلى الحكيم العارف ألا يجيب السائل في سؤاله حتى يوقفه على صدق حاله ، ومن صح له المعرفة ، فعنده يوجد رأس العلوم ، وجملتها ، وأصل العلوم وبنيتها « 2 » ، وعلم بلا معرفة ، كجسد بلا رأس ، وكبناء على غير أصل ولا أساس ، فيكون مأسوسا عَلى شَفا جُرُفٍ هارٍ فَانْهارَ بِهِ فِي نارِ جَهَنَّمَ [ التوبة : 109 ] . فأنا إن شاء اللّه أجمع لك سبع آيات من كتاب اللّه عز وجل ، بيّن اللّه فيها « 3 » معرفة العارفين له ، وماهية وصور العارفين إلى معرفته ، وكيفية دخولهم في ذلك بلسان أهل الفهم والإشارة ، وأرباب التنظيف والطهارة ، الذين رفع لهم الجليل أعلام الهداية ، وتوجهم بتاج العناية ، وسربلهم بسرابيل الكفاية ، وأزرهم بآزر الرعاية ، وأنبع في قلوبهم أنهار الحكمة والدراية ، أُولئِكَ الَّذِينَ امْتَحَنَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ

--> ( 1 ) في الأصل : هو . ( 2 ) في الأصل : وجملية وبنيته . ( 3 ) في الأصل : فيه .